الشوكاني
239
فتح القدير
ما تسمعون لأنه لا فائدة في مجرد السماع ( وأنفقوا خيرا لأنفسكم ) أي أنفقوا من أموالكم التي رزقكم الله إياها في وجوه الخير ولا تبخلوا بها ، وقوله ( خيرا لأنفسكم ) منتصب بفعل مضمر دل عليه أنفقوا ، كأنه قال : ائتوا في الإنفاق خيرا لأنفسكم ، أو قدموا خيرا لها ، كذا قال سيبويه . وقال الكسائي والفراء : هو نعت لمصدر محذوف : أي إنفاقا خيرا . وقال أبو عبيدة : هو خبر لكان المقدرة : أي يكن الإنفاق خيرا لكم . وقال الكوفيون : هو منتصب على الحال ، وقيل هو مفعول به لأنفقوا : أي فأنفقوا خيرا . والظاهر : في الآية الإنفاق مطلقا من غير تقييد بالزكاة الواجبة ، وقيل المراد زكاة الفريضة ، وقيل النافلة ، وقيل النفقة في الجهاد ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) أي ومن يوق شح نفسه فيفعل ما أمر به من الإنفاق ولا يمنعه ذلك منه فأولئك هم الظافرون بكل خير الفائزون بكل مطلب ، وقد تقدم تفسير هذه الآية ( إن تقرضوا الله قرضا حسنا ) فتصرفون أموالكم في وجوه الخير بإخلاص نية وطيب نفس ( يضاعفه لكم ) فيجعل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وقد تقدم تفسير هذه الآية واختلاف القراءة في قراءتها في سورة البقرة وسورة الحديد ( ويغفر لكم ) أي يضم لكم إلى تلك المضاعفة غفران ذنوبكم ( والله شكور حليم ) يثيب من أطاعه بأضعاف مضاعفة ، ولا يعاجل من عصاه بالعقوبة ( عالم الغيب والشهادة ) أي ما غاب وما حضر لا تخفى عليه منه خافية ، وهو ( العزيز الحكيم ) أي الغالب القاهر ذو الحكمة الباهرة . وقال ابن الأنباري : الحكيم هو المحكم لخلق الأشياء . وقد أخرج الفريابي وعبد بن حميد والترمذي وصححه ، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه ، وابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية ( يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ) في قوم من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم ، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم ، فنزلت إلى قوله ( فإن الله غفور رحيم ) . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه وابن مردويه عن بريدة قال " كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب ، فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المنبر فحملهما واحدا من ذا الشق وواحدا من ذا الشق ، ثم صعد المنبر فقال : صدق الله ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) ، إني لما نظرت إلى هذين الغلامين يمشيان ويعثران لم أصبر أن قطعت كلامي ونزلت إليهما " . وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " يقول الله استقرضت عبدي فأبى أن يقرضني وشتمني عبدي وهو لا يدري ، يقول : وادهراه وادهراه وأنا الدهر ، ثم تلا أبو هريرة ( إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ) " .